عندما تصبح الطوندونس بديلاً عن التفكير لو سألت شاباً اليوم عن سبب متابعته لفيديو معين أو لشخصية بعينها، فلن تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أن الإجابة لم تعد تحمل أي عمق يُذكر.في الغالب، سيأتيك الرد جاهزاً ومختصراً: لأنه طوندونس… وكأن هذه الكلمة أصبحت شهادة تقدير أو على الأقل مبرراً كافياً لإضاعة ساعات من العمر. ما يحدث هنا ليس مجرد تحول في الأذواق، بل هو انقلاب دراماتيكي في طريقة التقييم للأشياء. في الماضي، كان المحتوى يُقاس بقيمته: هل يضيف شيئاً؟ هل يفتح زاوية جديدة للفهم؟ هل يثير التفكير؟ أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة تماماً، وأصبح الانتشار هو المعيار الأول، و الوحيد.بمعنى آخر، لم نعد نسأل: هل هذا يستحق عناء المشاهدة؟ بل أصبح السؤال: هل شاهده الجميع؟ كم حصد من لايكات؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن هذا التحول الذي قد يبدو بسيطا في ظاهرِه، يحمل في عمقه إعادة تشكيل شامل لعلاقة الإنسان بالمحتوى، وبالمعرفة، وبنفسه أيضاً. فالطوندونس لا يتطلب منك أن تفهم، بل فقط أن تلحق بالموجة و أن تكون جزءاً من القطيع الرقمي الذي يجري دون أن يسأل إلى أين. التفاهة الذكية: كيف ينجح المحتوى ...
تمر الإنسانية هذه الأيام بأسوء حالاتها. حروب اللامعنى تعم كل الأمكنة . من الهجوم الشرس على ما تبقى من قيم الشهامة و النبل، إلى تركيع الشعوب و تدجينها و جعلها أسيرة للركض اليومي بحثا عن القوت، مرورا بحروب حقيقية تباد فيها الإنسانية ، أصبح العالم عل أهبة الدمار. استذكار : في تسعينيات القرن الماضي، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة جورج بوش الإبن شعارا رنانا : بناء النظام العالمي الجديد . هنا بدأت الانعطافة الكبرى نحو التفاهة المفضية إلى الدمار الشامل لكل المفاهيم الإنسانية النبيلة. و بدأ من كان يحمل بعضا من القيم المشرقة، من تيارات اليسار من مختلف القارات، يشق دورته نحو اليمين . من هنا -أو قبل ذلك بقليل - بدأ التراجع خطوة خطوة ، بفعل الصدمة المدوية وراء سقوط الاتحاد السوفياتي ، و تحت تأثير الضربات المتتالية التي شنتها الرأسمالية ضد الوعي الإنساني و هي ماضية في بناء نموذجها المتوحش المتخفي وراء آلة إعلامية ضخمة تزين للناظرين الأنماط الاجتماعية القائمة على الاستهلاك المفرط لكل شيئ. أمام هذا الوضع ، الذي سماه البعض بوضعية الخواء ، ساد شعور اولي بالضياع و الرغبة في الانزواء...