Accéder au contenu principal

عندما تتحول الصلاة إلى جدل: صلاة باب دكالة و توتر الهوية في المغرب



حادثة صغيرة… وأسئلة أكبر مما نتصور

في مدينة مثل مراكش، التي تصور دائماً كنموذج للتعايش والانفتاح، حدث مؤخرا ما يمكن ان نصنفه بسيطا و عاديا في  الظاهر لكنه فتح أبواباً واسعة من الجدل الصاخب، فمشهد صلاة في الفضاء العام قرب باب دكالة لم يبقَ مجرد واقعة عابرة، بل تحوّل بسرعة إلى نقاش حاد حول الدين، الهوية، وحدود الحرية. لكن ما يستحق الانتباه ليس فقط ما حدث، بل الطريقة التي تم بها فهمه وتداوله ، ففي ظرف ساعات، انتقل النقاش من “سلوك محدد في مكان  معين” إلى “قراءة جماعية لهوية كاملة”. وهنا تبدأ المشكلة بين  حرية العبادة وقواعد الفضاء العام .ففي أي مجتمع منظم، لا يمكن  الحديث عن الحرية بمعزل عن القواعد. كما أن حرية العبادة حق أساسي، نعم، لكن الفضاء العام ليس مساحة مفتوحة بلا ضوابط.

السؤال الحقيقي ليس: من صلى؟ بل: هل تم احترام قواعد الفضاء المشترك؟

 إذا كان جزء من ساكنة مراكش قد عبّر عن رفضه لما حدث، فإن هذا الرفض لا يمكن اختزاله ببساطة في موقف ضد فئة دينية.

هناك من رأى أن الأمر يتعلق بسلوك غير منظم في مكان حساس، وهناك من قرأه من زاوية رمزية أوسع، خاصة في ظل التوترات الإقليمية.  و المشكلة ربما تبدأ عندما نخلط بين نقد فعل معين والحكم على جماعة بأكملها.

من الواقعة إلى السردية: كيف تصنعها السوشيال ميديا؟

ما حدث على الأرض كان محدوداً، لكن ما حدث على الإنترنت كان شيئاً آخر تماماً. مقاطع مصورة مصحوبة بتعليقات غاضبة و مثيرة… وفجأة، تحول النقاش  حول “واقعة”، إلى “قضية”.

 في السوشيال ميديا التي اصبحت لا تنقل فقط، بل تضخّم، تبسّط، وأحياناً تعيد اختراع الواقع. بأطراف متعددة : طرف مظلوم، طرف معتدٍ، و جمهور غاضب. والنتيجة؟ نقاش صاخب… وفهم سطحي.

وسط هذا الضجيج، تبدو العودة إلى تجارب نضالية عميقة لرموز ساطعة من اليهود المغاربة أمراً ضرورياً لفهم الصورة بشكل أوسع.

وهنا يبرز اسمان كبيران حقا ، كنموذجين يكسران كل الاختزالات   السهلة : ابراهام السرفاتي و سيون اسيدون.

مساران متقاربان لنفس الحلم 

رجلان من نفس الجذور تقريباً، من زمنين متقاربين ، اجتمعا عند فكرة واحدة: أن العدالة لا تُبنى على الهوية، بل على الموقف.

 أبراهام السرفاتي : حين يصبح الثمن جزءاً من الموقف


إبراهيم السرفاتي لم يكن مجرد معارض سياسي، بل كان حالة نضالية كاملة ؛ في زمن كانت فيه الكلمة الحرة تُكلّف الكثير، اختار أن يقف في صف العدالة الاجتماعية، مدافعاً عن الفئات المهمشة، ومنتقداً اختلالات السلطة بشكل صريح. لم يكن يبحث عن شعبية،  بل عن معنى للوطن. هذا الاختيار كلّفه سنوات طويلة من السجن، حيث لم تكن المعاناة مجرد حرمان من الحرية، بل اختباراً حقيقياً للثبات على المبدأ؛ ومع ذلك لم يتراجع، ولم يغيّر موقفه ليتماشى مع الواقع. السرفاتي كان يعلّمنا درساً قاسياً: أن النضال ليس كلمات، بل مواقف تُدفع أثمانها كاملة.

 سيون أسيدون : نضال هادئ… لكنه لا يساوم



في المقابل، يمثل سيون أسيدون شكلاً مختلفاً من النضال، يتماشى مع تحولات الزمن. لم يعد الصراع دائماً في الزنازين، بل أصبح أيضاً في الشارع، في الإعلام، وفي الفضاء الرقمي، وهنا اختار أسيدون أن يكون حاضراً : يدافع عن القضايا التي يؤمن بها، يعبّر عن مواقفه بوضوح، ويرفض الاصطفاف الأعمى خلف اللامبالاة.ليس صاخباً، لكنه ثابت قدر الإمكان. ليس شعبوياً، لكنه واضح في زمن يبحث فيه الجميع عن الانتماء إلى معسكر الفائزين ، كان يصرّ مهما بلغت التضحيات على الانتماء إلى فكرة العدالة الاجتماعية ، كما يراها.

هل يجوز لنا أن نخلط بين الفعل والفاعل؟

و استرشادا بما قدمه هذين العظيمين في تاريخ المغرب يبدو السؤال : لماذا نصر على اختزال الناس في هوياتهم... لماذا؟ سؤالاً بسيطاً  لكنه في الحقيقة مزعج أيما إزعاج، فحادثة باب دكالة، مثلها مثل غيرها، يمكن تحليلها بشكل هادئ و عقلاني عبر طرح الأسئلة المناسبة : هل احترمت القوانين؟ هل كانت منظمة؟ هل راعت حساسية ظرف الزمان و المكان؟؟؟ لكن تحويلها إلى حكم عام على فئة كاملة، هو في حد ذاته شكل من أشكال التفكير السطحي الذي ننتقده.

الجدل سهل… لكن الفهم أصعب 
إثارة الجدل لم تعد تحتاج إلى جهد.

يكفي  أن يقع حدث صغير، تصحبه بعض العناوين المثيرة على صفحات التواصل الاجتماعي ، لتشتعل النقاشات و تتشابك خيوطها و يختلط الحابل بالنابل كما يقال. إن ابتغينا الوصول إلى فهم لكن حقيقي لما حدث و سيحدث فذلك يتطلب منا شيئاً آخر من الهدوء، و التحايل الرزين ، والاستعداد للاعتراف بأن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو.

 إن تجارب أفذاذ مثل ابراهام السرفاتي و سيون أسيدون تذكّرنا بأن الإنسان لا يُختزل في هويته، وأن النضال الحقيقي يُقاس بالمواقف لا بالأصول.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

بين رشيد نيني و ادريس لشكر

انتفاضة صفرو : حزب المقاطعين في أول خروج إعلامي بعد الانتخابات

خرجت جماهير المحتجين على الغلاء من الأحياء الفقيرة بصفرو ، لتعلن عن أول ظهور علني بعد الانتصار الكاسح الذي حققه حزب المهمشين و المعدمين يوم 07 شتنبر 2007 . كان هذا الخروج هادرا مزلزلا صادف وضع الترتيبات النهائية لتشكيل الحكومة الجديدة لكن المثير للانتباه هو لغة الاستنكار أحادية الطرف التي تستكثر على تلك الجماهير أن تكون غاضبة و أن تعبر عن حدة الغضب اتجاه رموز الجشع البورجوازي و رموز الفساد و الانتهازية بالشكل الذي تراه مناسبا بل إن البعض خرج من بين صفوف الجمعيات الحقوقية لمحاولة مصادرة حق الفقراء في التعبير عن مآسيهم بهذا الشكل أصدقاؤنا أشباه الحقوقيين و أشباه المناضلين يا من تعلموننا دروس النضال السلمي المتحضر ألايحق لنا أن نسائلكم بالمناسبة أليس فرض دستور يكرس الحكم الفردي على الشعب المغربي عنفا؟؟؟ أليست سياسة التهجير الممارسة في حق المواطنين و مصادرة أراضيهم و بيعها للشركات الأجنبية عنفا ؟؟؟ أليست سياسة الخوصصة سيئة الذكر و تجلياتها على المواطنين عنفا ؟؟؟؟ أليس تعيين عباس الفاسي الذي يجر وراءه ماساة 30 ألف معطل وزيرا أولا عنفا؟؟؟ اليس اعتقال شيخ تجاوز سنه 70 سنة بتهمة إهانة ...

مدينة إفني مصممة على استرجاع كرامتها المغتصبة

لمشاهدة المزيد من الصور اضغط على الصورة