Accéder au contenu principal

تفاهة المحتوى و عقول الشباب: لماذا أصبحت الطوندونس هي القاعدة؟

عندما تصبح الطوندونس بديلاً عن التفكير لو سألت شاباً اليوم عن سبب متابعته لفيديو معين أو لشخصية بعينها، فلن تحتاج إلى كثير من الوقت لتدرك أن الإجابة لم تعد تحمل أي عمق يُذكر.في الغالب، سيأتيك الرد جاهزاً ومختصراً: لأنه طوندونس… وكأن هذه الكلمة أصبحت شهادة تقدير أو على الأقل مبرراً كافياً لإضاعة ساعات من العمر. ما يحدث هنا ليس مجرد تحول في الأذواق، بل هو انقلاب دراماتيكي في طريقة التقييم للأشياء. في الماضي، كان المحتوى يُقاس بقيمته: هل يضيف شيئاً؟ هل يفتح زاوية جديدة للفهم؟ هل يثير التفكير؟ أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة تماماً، وأصبح الانتشار هو المعيار الأول، و الوحيد.بمعنى آخر، لم نعد نسأل: هل هذا يستحق عناء المشاهدة؟ بل أصبح السؤال: هل شاهده الجميع؟ كم حصد من لايكات؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن هذا التحول الذي قد يبدو بسيطا في ظاهرِه، يحمل في عمقه إعادة تشكيل شامل لعلاقة الإنسان بالمحتوى، وبالمعرفة، وبنفسه أيضاً. فالطوندونس لا يتطلب منك أن تفهم، بل فقط أن تلحق بالموجة و أن تكون جزءاً من القطيع الرقمي الذي يجري دون أن يسأل إلى أين. التفاهة الذكية: كيف ينجح المحتوى الفارغ أو التسنطيح؟ قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا المحتوى ينجح لأنه غبي، لكن الحقيقة أكثر إثارة للسخرية: هذا المحتوى ناجح لأنه يفهم قواعد اللعبة بشكل أفضل من غيره.هو لا يحاول أن يكون عميقاً، ولا يدّعي أنه يحمل رسالة عظيمة، بل يذهب مباشرة إلى ما يريده الجمهور:السرعة، الإثارة، والتسنطيح. إنه محتوى لا يرهقك، لا يطرح عليك أسئلة، ولا يجبرك على التوقف والتفكير ، ببساطة إنه لا يجعل و عيك وعيا شقيا. إذ يمكنك استهلاكه وأنت نصف نائم ، أو حتى و أنت تؤدي واجباتك اليومية في دورة المياه.بل إن بعضه يتقن فن الضجيج المقنع في ثوب الكلاشات المتفق عليها مسبقا حيث يتم تقديم أفكار عادية جداً، بل ومكررة، لكن بأسلوب صاخب يوحي لك أنك أمام شيء استثنائي. نبرة عالية، ثقة زائدة، عناوين مثيرة… وكل ذلك يكفي أحياناً ليُقنعك أنك تتعلم شيئاً، بينما أنت في الواقع تدور في فراغ لا متناهي. التفاهة هنا ليست غباء بل هي ذكية بما يكفي فكلما كانت أبسط، كلما كانت أسرع انتشاراً، وكلما كانت أكثر مقبولية من طرف المتلقين. التفكير النمطي: حين يصبح العالم أبيضا أو أسودا إن الأمر في الحقيقة لا يقف عند حدود الترفيه، بل يتجاوزها إلى ما هو أخطر: أي طريقة التفكير التي بدأت تفرض نفسها على الجميع. فحين يستهلك الشاب هذا النوع من المحتوى بشكل يومي، يبدأ أوتوماتيكيا في تبني نفس المنطق الذي يُقدَّم له، وهو منطق قائم على التبسيط المفرط لكل شيء و التسنطيح المتبل بتخراج العينين.فيصير المحيط أو العالم، بكل تعقيداته، مختزلا في ثنائيات حادة: إما ناجح أو فاشل، و إما قوي أو ضعيف، و إما ذكي أو غبي. لا مساحة للظروف، ولا اعتبار للسياق، ولا اعتراف بأن الواقع أكثر تعقيداً من هذه القوالب الجاهزة. و مع التوالي و التكرار ، يصبح هذا الأسلوب في التفكير هو الأسلوب المثالي و العصري و... ممرا طبيعيا نحو السطحية التي تعلّمها الشاب أو الشابة دون شعور . أسلوب في النهاية يقتل الفضول المعرفي و يزيل ذلك الجوع في طرح الأسئلة. فلماذا تبحث وتفهم، إذا كان كل شيء يمكن اختزاله في جملة واحدة؟ ولماذا تتعب نفسك في التحليل، إذا كان هناك دائماً من يقدم لك الحقيقة في دقيقة ؟ ما السر في انجذاب الشباب لهذا النوع من المحتوى؟ أظن أن من السهل أن نلقي اللوم على جمهورنا الشاب، لكن و بقدر كبير من المنطق سيكون هذا الأمر تبسيطاً آخر من نفس النوع الذي بصدد انتقاده.ففي الحقيقة نجد أن هناك عوامل كثيرة تجعل هذا المحتوى جذاباً، ومغرياً في بعض الأحيان. أولاً، نحن نعيش في عصر السرعة، حيث أصبح الانتباه و التركيز سلعة نادرة. الكل يحاول سرقة وقتنا: إشعارات، فيديوهات، أخبار، رسائل… و أصبحنا بالتالي نميل إلى الخيارات الأسهل والأسرع. ثانياً، هناك نوع من الهروب الجماعي من التعقيد. التفكير العميق يتطلب جهداً، صبراً، وربما مواجهة أسئلة حارقة و مزعجة، أما المحتوى السطحي التسنطيحي ، فيقدم لك عالماً بسيطاً، مفهوماً، وخالياً من التوتر. ثالثاً، الإحساس الزائف بالفهم. لأن تبسيط المواضيع بشكل مفرط، يشعر المتلقي أنه أصبح يملك رؤية واضحة و عميقة ، بينما هو في الحقيقة لم يلمس في أحسن الحالات إلا القشور . مما يمنحه إحساسا بالمتعة و الراحة … وبالإدمان أيضا. من يتحمل المسؤولية؟ هل هو صانع المحتوى الذي يختار الطريق السهل نحو الانتشار؟ أم الجمهور الذي يكافئ هذا النوع من المحتوى بالمشاهدة والتفاعل؟ الإجابة، ليست سهلة كا قد يبدو، فصانع المحتوى يعمل داخل منظومة تحكمها الأرقام و العائدات : مشاهدات، إعجابات، مشاركات. وهو يعرف بالتجربة أن ما ينتشر ليس بالضرورة ما هو أفضل، بل ما هو أسهل استهلاكاً. أما الجمهور، فهو ليس ضحية بالكامل، ولا مذنباً بالكامل.هو أيضاً يتأثر بالبيئة الرقمية، بالخوارزميات، وبالإيقاع السريع للحياة.لكن في آخر المطاف، هناك حقيقة عصية لا يمكن أن يتجاهلها من أراد الوصول إلى مبتغاه في تحليل رزين : كل مشاهدة هي تصويت، وكل تفاعل هو دعم. بلغة أخرى نحن لا نستهلك المحتوى فقط… نحن نساهم في تشكيله. رغم قتامة الصورة التي رسمتها السطورآنفة الذكر فإن بعض الضوء لا زال مشعا ساطعا إن حالة شبابنا ليس ميؤوساً منها.هناك بعض من أمل . هناك شباب يبحث عن المعنى في ثنايا الأشياء ، عن الفهم الذي يتجاوز عقبات التسلية العابرة. ختاما هل نحن مستعدون لأن نبطئ قليلاً؟ أن نشاهد أقل… لكن نفهم أكثر؟ هل نحن قادرون أن نغادر منطقة الراحة التي ترسمها لنا التفاهة و التسنطيح نحو مساحة شقية أكثر عمقاً، حتى لو كانت أقل إمتاعاً في البداية؟ العقول، مثل العضلات، يصيبها الوهن حين لا تُستخدم… وتتقوى بالمران اليومي حتى لو كان متعبا قليلاً. أليس كذلك؟؟؟

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

بين رشيد نيني و ادريس لشكر

انتفاضة صفرو : حزب المقاطعين في أول خروج إعلامي بعد الانتخابات

خرجت جماهير المحتجين على الغلاء من الأحياء الفقيرة بصفرو ، لتعلن عن أول ظهور علني بعد الانتصار الكاسح الذي حققه حزب المهمشين و المعدمين يوم 07 شتنبر 2007 . كان هذا الخروج هادرا مزلزلا صادف وضع الترتيبات النهائية لتشكيل الحكومة الجديدة لكن المثير للانتباه هو لغة الاستنكار أحادية الطرف التي تستكثر على تلك الجماهير أن تكون غاضبة و أن تعبر عن حدة الغضب اتجاه رموز الجشع البورجوازي و رموز الفساد و الانتهازية بالشكل الذي تراه مناسبا بل إن البعض خرج من بين صفوف الجمعيات الحقوقية لمحاولة مصادرة حق الفقراء في التعبير عن مآسيهم بهذا الشكل أصدقاؤنا أشباه الحقوقيين و أشباه المناضلين يا من تعلموننا دروس النضال السلمي المتحضر ألايحق لنا أن نسائلكم بالمناسبة أليس فرض دستور يكرس الحكم الفردي على الشعب المغربي عنفا؟؟؟ أليست سياسة التهجير الممارسة في حق المواطنين و مصادرة أراضيهم و بيعها للشركات الأجنبية عنفا ؟؟؟ أليست سياسة الخوصصة سيئة الذكر و تجلياتها على المواطنين عنفا ؟؟؟؟ أليس تعيين عباس الفاسي الذي يجر وراءه ماساة 30 ألف معطل وزيرا أولا عنفا؟؟؟ اليس اعتقال شيخ تجاوز سنه 70 سنة بتهمة إهانة ...

مدينة إفني مصممة على استرجاع كرامتها المغتصبة

لمشاهدة المزيد من الصور اضغط على الصورة